ابن خلكان
18
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
منهال موقّعه إلى الحسام بن منقذ بسبب شهادة شهدها على ابن الجمل أن يتثبت منها ويتحققها قبل أدائها ، ثم قال في أثناء ذلك : قل له نوبة الجمل ما كانت قليل . وكانت عائشة رضي اللّه عنها خرجت من المدينة حاجّة وعثمان محصور ثم صدرت عن الحج ، فلما كانت بسرف - وهو موضع قبر ميمونة زوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - لقيها الخبر بقتل عثمان وبيعة علي ، فانصرفت راجعة إلى مكة ولحق بها طلحة والزبير ومروان بن الحكم ، فلما تتامّوا بمكة تشاوروا فيما يريدون من الطلب بدم عثمان وهمّوا بالشام لمكان معاوية ، فصرفهم عبد اللّه ابن عامر عن ذلك إلى البصرة ، فتوجهوا إليها فأخذوا عثمان بن حنيف عامل علي بها فهموا بقتله فناشدهم اللّه وذكرّهم صحبته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأشير بضربه أسواطا فضربوه ونتفوا لحيته ورأسه حتى حاجبيه وأشفار عينيه ، ثم حبسوه ، وقتلوا خمسين رجلا كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من اعماله ، فلما بلغ عليّا مسيرهم خرج مبادرا إليهم واستنفر أهل الكوفة ثم سار بهم إلى البصرة ، وهم بضعة عشر ألفا ، فخرج إليه طلحة والزبير وعائشة وأهل البصرة فاقتتلوا قتالا شديدا ؛ قال عبد اللّه بن الزبير : أمسيت يوم الجمل وفيّ سبع وثلاثون جراحة من طعنة وضربة ، وما رأيت مثل يوم الجمل قط لا يهزم منا أحد ولا منهم ، وما أخذ خطام الجمل أحد إلا قتل ، فأخذت بالخطام فقالت عائشة : من ؟ قلت : ابن الزبير ، قالت : واثكل أسماء ! ومرّ بي الأشتر فعرفته فعانقته وناديت : اقتلوني ومالكا ، فجاء ناس منا ومنهم فقاتلوا حتى تحاجزنا وضاع مني الخطام ، فسمعت عليّا ينادي : اعقروا الجمل فإنه ان عقر تفرقوا ، فضربه رجل فسقط ، فما سمعت قط أشد عجيجا منه ، ثم أمر علي رضي اللّه عنه بحمل الهودج من بين القتلى ، وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث أنزلاه عن ظهر البعير فوضعاه إلى جنب البعير ، فأقبل محمد بن أبي بكر ومعه عمار حتى احتملاه ، وأدخل محمد بن أبي بكر يده فقال : يا أخية قولي بنار الدنيا ، فقالت : بنار الدنيا « 1 » .
--> ( 1 ) يبدو في النص اضطراب هنا .